فصل: تفسير الآية رقم (1):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (نسخة منقحة)



.القول في آمين:

روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا قال الإمام: {ولا الضالين} [الفاتحة: 7] فقولوا آمين. فإن الملائكة في السماء تقول آمين، فمن وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه.
وروي أن جبريل عليه السلام لما علم النبي عليه السلام فاتحة الكتاب وقت نزولها فقرأها قال له: قل آمين.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: آمين خاتم رب العالمين، يختم بها دعاء عبده المؤمن.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يدعو فقال: «أوجب إن ختم». فقال له رجل بأي شيء يختم يا رسول الله؟ قال: «بآمين».
ومعنى آمين عند أكثر أهل العلم: اللهم استجب، أو أجب يا رب، ونحو هذا. قاله الحسن بن أبي الحسن وغيره، ونص عليه أحمد بن يحيى ثعلب وغيره.
وقال قوم: هو اسم من أسماء الله تعالى، روي ذلك عن جعفر بن محمد ومجاهد وهلال بن يساف، وقد روي أن آمين اسم خاتم يطبع به كتب أهل الجنة التي تؤخذ بالإيمان.
قال القاضي أبو محمد: فمقتضى هذه الآثار أن كلّ داعٍ ينبغي له في آخر دعائه أن يقول: آمين وكذلك كل قارئ للحمد في غير صلاة، لكن ليس بجهر الترتيل. وأما في الصلاة فقال بعض العلماء: يقولها كل مصلّ من إمام وفذ ومأموم قرأها أو سمعها.
وقال مالك في المدونة: لا يقول الإمام آمين ولكن يقولها من خلفه ويخفون، ويقولها الفذ.
وقد روي عن مالك رضي الله عنه: أن الإمام يقولها أسرّ أم جَهَرَ.
وروي عنه: الإمام لا يؤمن في الجهر.
وقال ابن حبيب: يؤمن.
وقال ابن بكير: هو مخير.
قال القاضي أبو محمد عبدالحق رضي الله عنه: فهذا الخلاف إنما هو في الإمام، ولم يختلف في الفذ ولا في المأموم إلا ابن نافع. قال في كتاب ابن حارث: لا يقولها المأموم إلا إن سمع الإمام يقول {ولا الضالين} [الفاتحة: 7]، وإذا كان ببعد لا يسمعه فلا يقل.
وقال ابن عبدوس: يتحرى قدر القراءة ويقول آمين. وهي لفظة مبنية على الفتح لالتقاء الساكنين، وكأن الفتح مع الياء أخف من سائر الحركات، ومن العرب من يقول آمين فيمده، ومنه قول الشاعر: [البسيط]
آمين آمين لا أرضى بواحدة ** حتى أبلغها ألفين آمينا

ومن العرب من يقول أمين بالقصر، ومنه قول الشاعر: [جبير بن الأضبط].
تباعد مني فَطْحَلٌ إذْ رأيتُه ** أمين فزاد الله ما بيننا بعدا

واختلف الناس في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة» فقيل في الإجابة، وقيل في خلوص النية، وقيل في الوقت، والذي يترجح أن المعنى فمن وافق في الوقت مع خلوص النية، والإقبال على الرغبة إلى الله تعالى بقلب سليم، والإجابة تتبع حينئذ، لأنّ من هذه حاله فهو على الصراطِ المستقيم.

.سورة البقرة:

.تفسير الآية رقم (1):

{الم (1)}
اختلف في الحروف التي في أوائل السورة على قولين:
قال الشعبي عامر بن شراحيل وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين: هي سرّ الله في القرآن، وهي من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه، ولا يجب أن يتكلم فيها، ولكن يؤمن بها وتُمَرُّ كما جاءت.
وقال الجمهور من العلماء: بل يجب أن يُتكلم فيها وتُلتمس الفوائد التي تحتها والمعاني التي تتخرج عليها واختلفوا في ذلك على اثني عشر قولاً:
فقال علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما: الحروف المقطعة في القرآن هي اسم الله الأعظم، إلا أنا لا نعرف تأليفه منها.
وقال ابن عباس أيضاً: هي أسماء الله أقسم بها.
وقال زيد بن أسلم: هي أسماء للسور.
وقال قتادة: هي أسماء للقرآن كالفرقان والذكر.
وقال مجاهد: هي فواتح للسور.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: كما يقولون في أول الإنشاد لشهير القصائد: بل ولا بل. نحا هذا النحو أبو عبيدة والأخفش.
وقال قوم: هي حساب أبي جاد لتدل على مدة ملة محمد صلى الله عليه وسلم كما ورد في حديث حيي بن أخطب وهو قول أبي العالية رفيع وغيره.
وقال قطرب وغيره: هي إشارة إلى حروف المعجم، كأنه يقول للعرب: إنما تحديتكم بنظم من هذه الحروف التي عرفتم، فقوله: {الم} بمنزلة قولك أ، ب، ت، ث، لتدل بها على التسعة والعشرين حرفاً.
وقال قوم: هي أمارة قد كان الله تعالى جعلها لأهل الكتاب أنه سينزل على محمد كتاباً في أول سور منه حروف مقطعة.
وقال ابن عباس: هي حروف تدل على: أنا الله أعلم، أنا الله أرى، أنا الله أفصّل.
وقال ابن جبير عن ابن عباس: هي حروف كل واحد منها إما أن يكون من اسم من أسماء الله، وإما من نعمة من نعمه، وإما من اسم ملك من ملائكة، أو نبي من أنبيائه.
وقال قوم: هي تنبيه ك يا في النداء.
وقال قوم: روي أن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة نزلت ليستغربوها فيفتحوا لها أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة.
قال القاضي أبو محمد: والصواب ما قاله الجمهور أن تفسر هذه الحروف ويلتمس لها التأويل: لأنا نجد العرب قد تكلمت بالحروف المقطعة نظماً لها ووضعاً بدل الكلمات التي الحروف منها، كقول الشاعر: [الواليد بن المغيرة] [الرجز].
قلنا لها قفي فقالت قاف

أراد قالت: وقفت. وكقول القائل: [زهير بن أبي سلمى] [الرجز].
بالخير خيرات وإن شرّاً فا ** ولا أريد الشر إلا أن تا

أراد: وإن شرّاً فشر، وأراد: إلا أن تشاء. والشواهد في هذا كثيرة، فليس كونها في القرآن مما تنكره العرب في لغتها، فينبغي إذا كان معهود كلام العرب أن يطلب تأويله ويلتمس وجهه، والوقف على هذه الحروف على السكون لنقصانها إلا إذا أخبرْتَ عنها أو عطفْتَها فإنك تُعربها.
وموضع {الم} من الإعراب رفع على أنه خبر ابتداء مضمر، أو على أنه ابتداء، أو نصب بإضمار فعل، أو خفض بالقسم، وهذا الإعراب يتجه الرفع منه في بعض الأقوال المتقدمة في الحروف، والنصب في بعض، والخفض في قول ابن عباس رضي الله عنه أنها أسماء لله أقسم بها.

.تفسير الآية رقم (2):

{ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)}
الاسم من {ذلك} الذال والألف، وقيل الذال وحدها، والألف تقوية، واللام لبعد المشار إليه وللتأكيد، والكاف للخطاب، وموضع {ذلك} رفع كأنه ابتداء، أو ابتداء وخبره بعده، واختلف في {ذلك} هنا فقيل: هو بمعنى هذا، وتكون الإشارة إلى هذه الحروف من القرآن.
قال القاضي أبو محمد: وذلك أنه قد يشار ب ذلك إلى حاضر تعلق به بعض الغيبة وب هذا إلى غائب هو من الثبوت والحضور بمنزلة وقُرْب. وقيل: هو على بابه إِشارة إلى غائب، واختلف في ذلك الغائب، فقيل: ما قد كان نزل من القرآن، وقيل: التوراة والإنجيل، وقيل: اللوح المحفوظ؛ أي الكتاب الذي هو القدر وقيل: إن الله قد كان وعد نبيه أن ينزل عليه كتاباً لا يمحوه الماء، فأشار إلى ذلك الوعد.
وقال الكسائي: {ذلك} إشارة إلى القرآن الذي في السماء لم ينزل بعد. وقيل: إن الله قد كان وعد أهل الكتاب أن ينزل على محمد كتاباً، فالإشارة إلى ذلك الوعد، وقيل: إن الإشارة إلى حروف المعجم في قول من قال: {الم} حروف المعجم التي تحديتكم بالنظم منها.
ولفظ {الكتاب} مأخوذ من كتبتُ الشيء إذا جمعتَه وضممتَ بعضه إلى بعض ككتبَ الخَرَز بضم الكاف وفتح التاء وكتبَ الناقة.
ورفع {الكتاب} يتوجه على البدل أو على خبر الابتداء أو على عطف البيان. و{لا ريب فيه} معناه: لا شكّ فيه ولا ارتياب به؛ والمعنى أنه في ذاته لا ريب فيه وإن وقع ريبٌ للكافر.
وقال قوم: لفظ قوله: {لا ريب} فيه لفظ الخبر ومعناه النهي.
وقال قوم: هو عموم يراد به الخصوص؛ أي عند المؤمنين.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف.
وقرأ الزهري، وابن محيصن، ومسلم بن جندب، وعبيد بن عمير: {فِيهُ} بضم الهاء؛ وكذلك إليهُ وعلَيْهُ وبِهُ ونُصْلِهُ ونولهُ وما أشبه ذلك حيث وقع على الأصل. وقرأ ابن إسحاق: {فيهو} ضم الهاء ووصلها بواو.
و{هدى} معناه رشاد وبيان، وموضعه، من الإعراب رفع على أنه خبر {ذلك}، أو خبر ابتداء مضمر، أو ابتداء وخبره في المجرور قبله، ويصح أن يكون موضعه نصباً على الحال من ذلك، أو من الكتاب، ويكون العامل فيه معنى الإشارة، أو من الضمير في {فيه}، والعامل معنى الاستقرار؛ وفي هذا القول ضعف.
وقوله: {للمتقين} اللفظ مأخوذ من وَقَى، وفعله اتَّقى، على وزن افتعل، وأصله {للموتقيين} استثقلت الكسرة على الياء فسكنت وحذفت للالتقاء، وأبدلت الواو تاءً على أصلهم في اجتماع الواو والتاء، وأدغمت التاء في التاء فصار {للمتقين}. والمعنى: الذين يتقون الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب معاصيه، كان ذلك وقاية بينهم وبين عذاب الله.

.تفسير الآية رقم (3):

{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)}
{يؤمنون} معناه يصدقون ويتعدى بالباء، وقد يتعدى باللام كما قال تعالى: {ولاتؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} [آل عمران: 73] وكما قال: {فما آمن لموسى} [يونس: 83] وبين التعديتين فرق، وذلك أن التعدية باللام في ضمنها تعدٍّ بالباء يفهم من المعنى. واختلف القراء في همز {يؤمنون} فكان ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي يهمزون ء{يؤمنون} وما أشبهه، مثل يأكلون، ويأمرون، ويؤتون؛ وكذلك مع تحرك الهمزة مثل {يؤخركم} و{يؤوده} إلا أن حمزة كان يستحب ترك الهمز إذا وقف، والباقون يقفون بالهمز.
وروى ورش عن نافع ترك الهمز في جميع ذلك. وقد روي عن عاصم أنه لم يكن يهمز الساكنة.
وكان أبو عمرو إذا أدرج القراءة أو قرأ في الصلاة لم يهمز كل همزة ساكنة، إلا أنه يهمز حروفاً من السواكن بأعيانها ستذكر في مواضعها إن شاء الله. وإذا كان سكون الهمزة علامة للجزم لم يترك همزها مثل {ننسأها} [البقرة: 105] {وهيئ لنا} [الكهف: 8] وما أشبهه.
وقوله: {بالغيب} قالت طائفة: معناه يصدقون إذا غابوا وخلوا، لا كالمنافقين الذين يؤمنون إذا حضروا ويكفرون إذا غابوا. وقال آخرون: معناه يصدقون بما غاب عنهم مما أخبرت به الشرائع.
واختلفت عبارة المفسرين في تمثيل ذلك، فقالت فرقة: الغيب في هذه الآية هو الله عز وجل وقال آخرون: القضاء والقدر وقال آخرون: القرآن وما فيه من الغيوب وقال آخرون: الحشر والصراط والميزان والجنة والنار.
قال القاضي أبو محمد: وهذه الأقوال لا تتعارض، بل يقع الغيب على جميعها، والغيب في اللغة: ما غاب عنك من أمر، ومن مطمئن الأرض الذي يغيب فيه داخله.
وقوله: {يقيمون} معناه يظهرونها ويثبتونها، كما يقال: أقيمت السوق، وهذا تشبيه بالقيام من حالة خفاء، قعود أو غيره، ومنه قول الشاعر: [الكامل].
وإذا يقال أتيتُم يبرحوا ** حتى تقيمَ الخيلُ سوقَ طِعان

ومنه قول الشاعر: [المتقارب]
أقمنا لأهل العراقين سوق الطِّ ** طِعان فخاموا وولّوا جميعا

وأصل {يقيمون} يقومون، نقلت حركة الواو إلى القاف فانقلبت ياء لكون الكسرة قبلها. و{الصلاة} مأخوذة من صلى يصلي إذا دعا، كما قال الشاعر: [البسيط]
عليكِ مثل الذي صلّيت فاغتمضي ** يوماً فإنَّ لجنب المرءِ مُضْطَجعا

ومنه قول الآخر: [الطويل]
لها حارس لا يبرح الدهرَ بيتها ** وإنْ ذبحت صلّى عليها وزمزما

فلما كانت الصلاة في الشرع دعاء انضاف إليه هيئات وقراءة سمي جميع ذلك باسم الدعاء. وقال قوم: هي مأخوذة من الصَّلاَ وهو عِرْق في وسط الظهر ويفترق عند العجب فيكتنفه، ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل، لأنه يأتي مع صَلَوي السابق، فاشتقّت الصلاة منه، إما لأنها جاءت ثانية للإيمان فشبهت بالمصلِّي من الخيل، وإما لأن الراكع والساجد صَلَواه.
قال القاضي أبو محمد: والقول إنها من الدعاء أحسن.
وقوله تعالى: {ومما رزقناهم ينفقون} كتبت {مما} متصلة {وما} بمعنى الذي فحقّها أن تكون منفصلة، إلا أن الجار والمجرور كشيء واحد، وأيضاً فلما خفيت نون من في اللفظ حذفت في الخط. والرزق عند أهل السنة. ما صح الانتفاع به حلالاً كان أو حراماً، بخلاف قول المعتزلة إن الحرام ليس برزق. و{ينفقون} معناه هنا يؤتون ما ألزمهم الشرع من زكاة وما ندبهم إليه من غير ذلك.
قال ابن عباس: {ينفقون} يؤتون الزكاة احتساباً لها.
قال غيره: الآية في النفقة في الجهاد.
قال الضحاك: هي نفقة كانوا يتقربون بها إلى الله عز وجل على قدر يُسْرهم.
قال ابن مسعود وابن عباس أيضاً: هي نفقة الرجل على أهله.
قال القاضي أبو محمد: والآية تعمّ الجميع. وهذه الأقوال تمثيل لا خلاف.